مؤيد الدين الجندي
320
شرح فصوص الحكم
قال العبد : لمّا كان الوجود الحقّ - المتعيّن في خصوصيات قابليات كل معبود من حجر ومدر وشمس وقمر - ظهورا ووجها خاصّا هو الوجه الحق الباقي إذا عادت حجابيّات الأشياء هالكة ، فمن أنكر وجهل وجه الحق في كل شيء ، فقد أنكر الحق المتعيّن في مظهريته ، والمتجلَّي من حقيقته لصور خلقيته ، فهو « 1 » الظاهر في كل ظاهر ولا ظاهر إلَّا أفعاله « 2 » ، فلا ظاهر إلَّا الله * ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ الله رَمى ) * « 3 » ، فظهرت الألوهية والمألوهية ، والعابدية والمعبودية ، والساجدية والمسجودية في كل عين عين ، فمن عبد حجابيّته وصنميّته ، أو عبد تخيّله وهواه في ذلك المعبود أنّه إله ، فقد عبد هواه ، وعبد الطاغوت ، وعبد صنميّات حجاب اللاهوت . ومن عبد الله الواحد الأحد في كل ما عبد ، وعبد من غير حصر لله - تعالى - في صورة دون صورة وتعيينه في شيء دون شيء ، فذلك العارف الكاشف ، والعالم الواصف ، لا يحجبه شيء ، ولا يسعه نور ولا فيء ، ولا يحجزه ميّت ولا حيّ ، ولا يضرّه هداية ولا غيّ . ذلك هو العبد الحقّ * ( عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) * . . . * ( في مَقْعَدِ صِدْقٍ ) * « 4 » فافهم . وإذا علمت هذا فاعلم : أنّ لك نسبا في ربّك ليس لغيرك ، هو أحدية جمعك وبصورتك ظهر لك في كل معبود موجود ، وتجلَّى لك في كل مشهود معهود وغير معهود ، ولكن ظهوره بك في كلّ بحسب المظهر لا بحسبه ولا بحسبك ، فأنت حسبه إن كنت بحسبه ، وهو حسبك حسبا ، ونعم « 5 » النسب التي بها جعل لك منه نسبا فأعطه ماله وهو أنت ، وخذه مالك وهو ربّك ، وقابل لتجلَّياتك لك به ، ولتجلَّياته بك لك من أحديّة جمع مظهريّتك عبدانيّة تناسب التجلَّي ، وقابل بكلَّك كلّ المتجلَّي ، تكن أديبا أريبا محبّا له في الكلّ حبيبا ، وقلبا كلَّيا متقلَّبا معه في شؤونه لبيبا ، تشاهد من تجلَّياته مشهدا غريبا ، وتكشف منك له حالا عجيبا ، والله الموفّق .
--> « 1 » ف : إذ هو . « 2 » ف : ولا ظاهر إلَّا بأفعاله . « 3 » الأنفال ( 8 ) الآية 17 . « 4 » القمر ( 54 ) الآية 55 . فيه تقديم وتأخير . « 5 » كذا .